السيد محمد تقي المدرسي

111

مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة)

العقبة الرابعة : اللاعلمية وتندرج تحت عقبة اللاعلامية أو اللاعقلانية ثلاث صفات : طول الأمل ، والتمني ، والتضني . وكل من هذه الصفات رذيلة بذاتها وتستتبعها صفات رذيلة أخرى . اما طول الامل فإنما يعني الفرار من الحقيقة إلى الوهم . يعني الفرار من رحاب الواقع إلى كهف الحلم ، وهذه هي اللاعلمية . وحينما يعيش الانسان آمال الخلود في هذه الدينا الفانية ، فإنما يعيش أحلاما تتناقض مع الحقيقة والواقع . فالحقيقة تقول كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ ( الأنبياء / 35 ) ، وهذه قوافل الموتى رسل الله للانسان تنذره بالرحيل الذي لا بد منه . لكنها القلوب المريضة والعيون التي أصابتها الغشاوة لا تعقل هذه الحقيقة ولا تدركها ، بل لعل هناك من يزعم بأنه سيخلد أبد الدهر والى مالا نهاية دون أن يصرّح بذلك بلسانه ، بل تراه يكشف عن زعمه عبر أفعاله وممارساته . ففارق بين أن يقف الانسان امام الله تعالى متوجها بكل أحاسيسه وجوارحه إلى ربه ليصلي صلاة مودع ؛ موقناً بأن إليه سبحانه وتعالى الرجعى وَأَنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا ( الحج / 7 ) وأنه إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلايَسْتَقْدِمُونَ ( يونس / 49 ) فيؤدي صلاته منقطعاً إلى الله عز وجل ، إذ قد تكون صلاته هذه التي يقيمها الآن آخر صلاة له في هذه الدينا ، وحينها ستكون بالنسبة إليه معراجاً روحياً حميداً إلى الله سبحانه وتعالى ؛ وبين أن يصلي الانسان متوجهاً بوجهه إلى القبلة ، وجوارحه إلى جهات شتى ، وأفكاره موزعة لا يدري اثنتين صلى الصبح أم ثمانياً ، لأن آماله وأحلامه إنما هي فيما بعد هذه الصلاة بلحظة أو بساعة وحتى بألف عام . وهذا